
خرج وائل كعادته فى الصباح الباكر مستقلًا مركبة "التوك التوك" التى لا يملك سواها مصدرًا لرزق أسرته، يحمل بين جنبيه همًا واحدًا، الجهاد فى سبيل "لقمة العيش"، صال فى شوارع مدينة "بيلا" بكفر الشيخ وجال، جامعًا جنيهًا من هنا وجنيهات من هناك.. يراوده الحلم بغروب الشمس، ليعود إلى بيته محملًا بلوازمه.. لكنه أبدًا لم يدرك أن غروب اليوم هو الغروب الأخير.
ما أن اتخذ النهار موضع الرحيل، حتى حط الليل رحاله وبدأ خفافيش الظلام وأولاد الليل فى ممارسة نشاطهم والتلذذ بالسطو على أمتعة المسالمين، مستغلين ستر الظلام المصحوب بقشعريرة البرد فى ليل "طوبة".. قرر وائل بعد يوم شاق من العناء أن يقفل راجعًا إلى بيته، لينعم بدفء الأسرة، ويستعد لبدء حلقة جديدة من مسلسل الشقاء المفروض "عنوة" على كل أبناء جيله، غير أنّ حظه العاثر أوقعه فى طريق 3 من الشباب فى مثل سنه، طلبوا منه توصيلهم إلى قرية "الغاب"، والتى تبعد 3 كيلومترات عن مدينة بيلا، ولأن "الرزق يحب الخفية"، لم يجد وائل غضاضة من توصيلهم ليزيد حصيلة يومه بجنيهين أو ثلاثة.
وما أن اتخذ سبيله فى الظلام سربًا، حتى كشّروا عن أنيابهم، وبدت نيتهم حين أشهروا الأسلحة البيضاء فى وجه الشاب طالبين منه النزول والتخلى عن مركبته "مصدر رزقه"، لكنه أبى إلاّ المقاومة حتى النهاية، التى جاءت نتيجة عدّة طعنات كان أشدها طعنتان نافذتان بالصدر.. ليلفظ أنفاسه الأخيرة داخل قسم الطوارئ والاستقبال بمستشفى بيلا المركزى.
تلقى مركز شرطة بيلا إخطارًا من المستشفى بوصول وائل محمود عبد العزيز بكر 29 سنة سائق توك توك مصابًا بعدة طعنات ولفظ أنفاسه فور دخوله المستشفي.
كشفت التحريات أن وراء الحادث ثلاثة أشخاص طلبوا من المجنى عليه توصيلهم إلى قرية الغاب التابعة لمركز بيلا، وما أن وصلوا إلى مصرف نمرة 4 حتى حاولوا الاستيلاء علي التوك توك بالقوة إلا أنه قاومهم بشدة فانهالوا عليه بعدة طعنات في أماكن متفرقة، كان أخطرها طعنتان نافذتان بالصدر، وفروا هاربين بعدما شعروا بقدوم بعض الخفراء، الذين اتجهوا نحو صوت الاستغاثة وقاموا بنقل الضحية محاولة لإنقاذه إلا أنه توفى فور وصوله المستشفى.
وفى مشهد جنائزى مهيب.. شيّع أهالى المدينة جثمان الضحية، بعد محاولات مستميتة وضغوط على أسرته التى أصرت على عدم دفن الجثمان قبل الكشف عن هوية الجناة، ورغم نجاح العقلاء فى إجبار الأسرة على الدفن، إلاّ أنهم رفضوا تلقى العزاء قبل القصاص من الجناة، الذين لا يزال البحث جاريًا لمعرفة هويتهم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق